الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي
293
الاجتهاد والتقليد
ما سبق منّا من جريان استصحاب التخيير ، فيما لو رجع المجتهد الأوّل من رأيه الأوّل ، لأنّ إلزام المقلّد بتقليده في الرأي الأوّل ، كان معلّقا على عدم تجدّد رأيه ، وبعد التجدّد يبقى استصحاب التخيير سليما ؛ وأمّا فيما نحن فيه ، فالمفروض عدم تجدّد رأي المجتهد الأوّل ، فلا مجرى لاستصحاب التخيير . فإن قلت : لعلّ التزام المقلّد فيما نحن فيه ، بتقليد من قلّده أوّلا ، كان معلّقا على عدم إرادته الرجوع إلى مجتهد آخر ، لا تنجيزيّا ؛ وبعد الإرادة يرتفع الالتزام ، فيجري استصحاب التخيير . قلت : الأصل فيما شكّ في كونه تعليقيّا أو تنجيزيّا أن يكون تنجيزيّا ؛ ومدرك هذا الأصل هو الاستصحاب ، فإنّه بعد ما أراد الرجوع ، وشكّ في ارتفاع الالتزام ، لاحتمال كونه تعليقيّا ، وبقائه لاحتمال كونه تنجيزيّا ؛ فالأصل بقائه ، فيكون تنجيزيّا . فإن قلت : تجري عند الشكّ استصحاب التخيير ، فيكون تعليقيّا . قلت : استصحاب الالتزام مزيل ، لأنّ الشكّ في بقاء التخيير ، إنّما نشأ وتسبّب عن الشكّ في بقاء الالتزام ؛ سلّمنا ، لكن كما لا يكون استصحابنا مزيلا ، كذلك لا يكون استصحابك أيضا مزيلا ، غاية الأمر تعارضا وتساقطا ، ويبقى قاعدة الاشتغال وسائر الأدلّة سليمة عن المعارض . وأمّا القسم الرابع ، وهو ما كانا متساويين في جواز التقليد بدوا لا استمرارا ، كما لو كان المجتهدان متساويين بدوا ، ثمّ صار الآخر أعلم ، مع القول بوجوب تقليد الأعلم ؛ فهل يجوز للمقلّد بعد ما قلّد أحدهما ثمّ صار الآخر أعلم ، الرجوع إليه أم لا ؟ احتمالات ثلاثة : لزوم الرجوع إلى الأعلم ، ولزوم البقاء على تقليد الأوّل ، والتخيير بين البقاء والرجوع . وإنّما قدّمنا الكلام في هذا القسم على القسمين الآخرين ، لأنّه بعد اثبات عدم جواز الرجوع في هذا القسم ، مع وجود التخيير بدوا لا استمرارا ، فثبوت عدم الجواز في القسمين الباقيين ، لعدم وجود التخيير في أحدهما لا بدوا ولا استمرارا ، و